ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

126

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

جيرانها فقال هي في النار وذكر له امرأة أخرى بأنها بخيلة فقال فما خيرها إذن . وهذا فاسد لأنهم كانوا يذكرون ذلك بحاجتهم إلى الأحوال بالسؤال ولم يكن غرضهم التنقص والدليل عليه إجماع الأمة أن من ذكر غيره بما يكره فهو مغتاب لأنه داخل فيما ذكر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حد الغيبة فكل هذا وإن كنت صادقا فيه فأنت به مغتاب عاص لربك وآكل لحم أخيك بدليل ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال هل تدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قيل أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال صلّى الله عليه وآله وسلّم إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته ( 1 ) . وروي عن عائشة أنها قالت إني قلت لامرأة وأنا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن هذه لطويلة الذيل فقال الفظي الفظي ( 2 ) فلفظت بضعة من لحم . اعلم أن الذكر للغيبة باللسان حرام جدا لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتقريعه ( 3 ) بما يكرهه فأما التعريض فيه فهو كالتصريح والفعل فيه كما تقول بالغمز والرمز والحركة وكلما يفهم فهو داخل في الغيبة وهو حرام قالت عائشة دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي أنها قصيرة فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قد اغتبتها ونهاني عن مثل ذلك ومن ذلك المحاكاة وغيرها من أمارات الغيبة ومثل ذلك أن يذكر عنده إنسان فيقول الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان والتبذل في طلب الحطام أو تقول نعوذ بالله من قلة الحياء نسأل الله أن يعصمنا منه وإنما قصده أن يفهم الناس عيب الغير فيذكر بصيغة الدعاء وكذلك يقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلي بما يبتلى به كلنا وهو قلة الصبر فيذكر نفسه ومقصوده أن يذم غيره وإنما مدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم فيكون مغتابا ومرائيا ومزكيا نفسه يجمع بين ثلاث فواحش وهو يظن بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة وكذلك

--> ( 1 ) وفي بعض النسخ ] اتهمه ] . ( 2 ) اللفظ : الرمي والدفع أي استفرغي وادفعي من فمك . ( 3 ) التقريع : التوبيخ ( سرزنش كردن ) .